الممارسات الاحتكارية في الإعلانات الرقمية … تعليق على حكم المحكمة الفيدرالية في ولاية فيرجينيا في قضية شركة google
د.سليمان بن صالح الخميس*
محمد بن عبدالله العمودي**
صدر في السابع عشر من أبريل (2025) من المحكمة الفيدرالية في المنطقة الشرقية من ولاية فيرجينيا، حكمٌ ابتدائي ضد شركة Google بشأن ممارسات احتكارية في سوق تكنولوجيا الإعلانات الرقمية. خلُصت المحكمة إلى أن Google قد انتهكت المادتين الأولى والثانية من قانون شيرمان الأمريكي لمكافحة الاحتكار، من خلال فرضها بنية تقنية مغلقة تُمكّنها من السيطرة على طرفي السوق (الطلب والعرض) بشكل يضر بالمنافسة [1].
وتتلخص وقائع القضية بأن شركة Google تواجه اتهاماً من قبل وزارة العدل الأمريكية بالسيطرة على طرفي سوق الإعلانات الرقمي حيث تتحكم في العرض عبر أدوات مثل Google Ad Manager للناشرين، وتتحكم في الطلب عبر Google Ads وDV360 للمعلنين، وقد رأت المحكمة أن هذه السيطرة تمت من خلال وبواسطة قيود مصطنعة تمنع الانتقال إلى أدوات بديلة، وتجعل من الصعب على المنافسين التفاعل مع السوق. من ذلك مثلًا أن Google Ads يُوجّه تلقائيًا إلى AdX، وخادم Google Ad Manager لا يتكامل بسلاسة مع خوادم غير تابعة لـ Google، ما جعل النظام بأكمله مغلقًا على نفسه بشكل غير مشروع.
ومن الجانب التقني فإن Google Ad Manager هي منصة مخصصة للناشرين الكبار والمسوقين الذين يديرون كميات كبيرة من عائدات الإعلانات، ويُفترض أن يُجري مزادًا شفافًا بين المنصات. غير أن Google ربطت Ad Manager بمنصة AdX ربطًا تقنيًا مباشرًا، بحيث لا يستطيع الناشر تفعيل منصات بديلة مثل Xandr أو OpenX بسهولة، بل تُفضَّل عروض AdX دائمًا دون وضوح حول تفاصيل المزاد.
وبوضوح أكثر فإن منصة Google AdX هي سوق المزادات اللحظية RTB، والتي تتنافس فيها العروض في أجزاء من الثانية. ومع ذلك، فإن Google تمنح AdX ميزة غير عادلة تُسمى “Last Look”، وهي آلية تسمح لمنصة Google بمراجعة جميع العروض المقدمة من منافسين، ثم تجاوزها تلقائيًا إن أرادت ذلك؛ وهذا التصرف يعتبر خرقاً لمبادئ المزاد المفتوح والحياد التقني، ويجعل من AdX منصة متميزة اصطناعيًا على حساب السوق[2].
وكذلك من جهة الطلب فإن Google Ads التي تعد الواجهة الأولى للمعلنين، ويفترض أن تعمل على إنشاء الحملات الإعلانية بناءً على معايير عديدة. لكنها وفقاً لتقنيات معينة لا تتيح للمعلن اختيار المزاد أو المنصة التي يُعرض فيها الإعلان؛ فكل إعلان يُرسل تلقائيًا إلى AdX، مما يجعل السوق مغلقًا من جهة الطلب أيضًا، ويمنع منصات بديلة من التنافس على ميزانيات الإعلانات[3].
أما من جهة DV360، وهي منصة الإعلانات البرمجية من Google، والتي تتيح الوصول إلى مجموعة أوسع من الإعلانات خارج نطاق Google، لكن وبناءً على الإجراءات المتخذة من شركة Google فإن هذه الميزات لا تكون متاحة إلا عند استخدام AdX كمصدر للمزادات. أما إذا استخدم المعلن منصات أخرى، تقل جودة البيانات أو تُحجب كليًا، مما يدفع الشركات الكبرى للبقاء داخل منظومة Google دون خيار واقعي [4].
وكذلك الحال لأداة AdSense، فهي مصدر دخل رئيسي للناشرين الصغار؛ حيث إنها تُدير الإعلانات بطريقة مغلقة تمامًا، فلا تسمح باستخدام مزادات بديلة، ولا تُفصح عن العروض المقدمة أو العمولة المقتطعة. والناشر يتلقى دخلًا دون معرفة من أين جاء الإعلان أو كم كان سعره الحقيقي، وهو ما يقوض الشفافية ويمحو التفاوض من العلاقة التجارية [5].
وكتطبيق عملي لهذا الإغلاق والسيطرة من قبل شركة Google فإن منصة YouTube والتي تعتبر أحد أهم المنصات التي يتعامل معها الناس تمارس الاحتكار التقني المتكامل. فعند مشاهدة المستخدم لفيديو، تُرسل المنصة معلومات دقيقة إلى خوادم Google، تتضمن بيانات عن العمر والجنس وسجل البحث ونوع الجهاز والموقع الجغرافي واهتمامات المستخدم. وعندها تقوم أداة Ad Manager بتحليل هذه البيانات وإرسال نتيجة التحليل إلى أداة AdX، والتي يكون دورها اختيار الإعلان المناسب للمستخدم. وبما أن منصة YouTube لا تسمح بأي تكامل مع أدوات خارج منظومة Google، فإنه يُمثل “نظامًا مغلقًا” لا يخضع للحياد أو المنافسة، ويُقصي أي فرصة حقيقية لمزودي خدمات خارجيين للوصول إلى جمهور منصة الـYouTube.
وأما من حيث الجانب القانوني فإنه في هذه الدعوى تطالب وزارة العدل الأمريكية بتفكيك البنية الاحتكارية لدى Google عبر فصل AdX عن Google Ad Manager، وإلزامها بفتح مزاداتها للتكامل مع منصات أخرى. كما أوصت بفرض قيود قانونية تمنع الترابط القسري بين أدوات Google وتطبيق قواعد الشفافية على جميع مراحل المزاد. ومن المنتظر عقد جلسات استماع إضافية في سبتمبر 2025 لمراجعة التصحيحات التي ستقترحها Google، وسط مراقبة من الاتحاد الأوروبي وهيئة المنافسة البريطانية CMA التي فتحت بدورها تحقيقات مشابهة [5]و[6].
ويعتبر هذا الحكم الصادر في هذه القضية والإجراءات التي تتخذها وزارة العدل الأمريكية وكذلك هيئة المنافسة البريطانية هي إجراءات ابتدائية لحل مشكلة السيطرة الاحتكارية التي برزت في الاحتكار الرقمي الذي لا يقوم فقط على الحجم، بل على العمق التقني والتحكم في البيانات وقنوات الاتصال بين المستخدم والسوق. وقد خلص الحكم إلى أن هذه السيطرة، متى ما تمت على حساب الشفافية والتكامل، فإنها تُعد خرقًا مباشرًا للقانون، حتى في غياب اتفاق مكتوب. ومن المتوقع أن تُمهّد هذه السابقة القضائية الطريق لتشريعات أكثر صرامة تجاه شركات التكنولوجيا الكبرى، وتُعيد ترتيب ميزان القوى في اقتصاد الإنترنت العالمي.
وختاماً فإن من شأن تأسيس هذا المبدأ في القوانين الدولية إعادة النظر في كثير من الممارسات التي قد تصنف على أنها من قبيل السيطرة الاحتكارية المغلقة؛ حينما يسيطر التاجر على طرفي السوق (العرض والطلب) بأي وسيلة كانت سواءً من خلال إبرام عقود التسويق الحصري المكتوبة كما يحصل مع بعض الشركات الكبرى التي تقوم بعرض الخدمات للمستهلكين إلا أنها تشترط أن يتم تقديمها من خلال تعاقد مع مقدمي خدمات هم في الحقيقة مملوكين لها كلياً أو بشكل أغلبي، ومن أمثلة ذلك ما يحصل في كثير من خدمات قطاع الاتصالات والطيران والبترول وكما قد يحصل أيضاً في الشركات التي تعمل في تقديم الخدمات للقطاع العام وتفرض التعامل مع منصات مملوكة لها أيضاً، ومن الأمثلة أيضاً ما تفعله بعض شركات التأمين الطبي من إلزام المؤمنين لديها بالتعامل مع مستشفيات مملوكة لها، وكل هذه الممارسات يجمعها أنها من صور الاحتكار المغلق وتمنع أي منافسة حقيقية بين مقدمي الخدمات؛ سواءً كان هذا المنع بعدم اعتماد مقدمي هذه الخدمات أو بعدم تمكينهم من المنافسة للشركات التابعة للشركة المحتكرة من خلال التحكم والسيطرة بالسوق.
والذي نؤكده أن القاعدة الشرعية هي ما أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (لا يحتكر إلا خاطئ) وأن على الجهات التنظيمية حماية السوق وضمان الشفافية والمنافسة العادلة فيه ومنع جميع التصرفات الاحتكارية مهما كان مصدرها وذلك حمايةً للضعيف من سلطة القوي وهذا المبدأ الشرعي هو الذي تعود إليه جميع المبادئ القانونية الصادرة في هذا الموضوع وهو ما أخذت به المادة الثانية من نظام المنافسة الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/75) وتاريخ 29/6/1440هـ والتي نصت على أن هدف النظام هو (حماية المنافسة العادلة وتشجيعها، ومكافحة ومنع الممارسات الاحتكارية التي تؤثر على المنافسة المشروعة أو على مصلحة المستهلك، بما يؤدي إلى تحسين بيئة السوق وتنمية الاقتصاد).
*محامي سعودي – دكتوراة في الفقه الإسلامي-جدة
**محامي سعودي- ماجستير قانون-جدة
قائمة المراجع
[1] Reuters. “US Judge Finds Google Holds Illegal Online Ad Tech Monopolies.” (2025-04-17)
https://www.reuters.com/technology/us-judge-finds-google-holds-illegal-online-ad-tech-monopolies-2025-04-17/
[2] Reuters Analysis. “What Does Ruling on Google’s Illegal Ad Tech Monopoly Mean?”
https://www.reuters.com/sustainability/boards-policy-regulation/what-does-ruling-googles-illegal-ad-tech-monopoly-mean-2025-04-17/
[3] Wall Street Journal. “U.S. Urges Breakup of Google Ad Businesses.”
https://www.wsj.com/tech/u-s-urges-breakup-of-google-ad-businesses-65b07c7b
[4] WSJ Business. “Judge Rules Google Operates Illegal Ad Monopoly.”
https://www.wsj.com/business/media/judge-rules-google-operates-illegal-ad-monopoly-1d955ed4
[5] UK CMA Report. “Online Platforms and Digital Advertising Market Study.”
https://www.gov.uk/cma-cases/online-platforms-and-digital-advertising-market-study
[6] Reuters Legal. “US Judge Delays Texas Antitrust Trial over Google Digital Ads.”
https://www.reuters.com/legal/government/us-judge-delays-texas-antitrust-trial-over-google-digital-ads-2025-07-17/