Skip to main content

تعريف الدعوى القضائية وشروطها

د/سليمان بن صالح الخميس

تعريف الدعوى القضائية وشروطها

الدعوى لغة: اسم مصدر من ادعى الشيء، وهي في اللغة: الطلب، ومنه قوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ أي يطلبون، ومن معانيها الدعاء، ومنه قوله تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾، جاء في (لسان العرب) :(والدَّعْوَى اسمٌ لما يَدَّعيه، حكى ذلك سيبويه)، وجَمعُ الدَّعوى: الدَّعاوى -بكَسرِ الواوِ وفَتحِها-، ويُقالُ: ادَّعى كَذا: أي: زَعَمَ أنَّه له حَقًّا أو باطِلًا.

والأفصح: أقام فلان (دعوى) قضائية وليس (دعوة): ففي التقاضي تستعمل الكلمة بلفظ(دعوى)، أما في غير ذلك كالحث والحض على الحضور إلى وليمة أو محفل، فتستعمل بلفظ (دعوة) بالتاء المربوطة.

وفي حال التثنية يقال: دَعْوَيين (بالياء): فهي المثنى الصحيح لكلمة “دَعْوَى” (بالألف المقصورة) الخاصة بالمحاكم والقضاء، لأن ألفها رابعة فتقلب ياء في المثنى النصب والجر فيقال: (دعويان / دعويين)، وأما: دَعْوَتين (بالتاء): فهي المثنى الصحيح لكلمة “دَعْوَة” (بالتاء المربوطة) الخاصة بالدعوة إلى الوليمة ونحوها، والدعوة مفردة من دعاء الله تعالى.

واصطلاحا: عرفت الدعوى القضائية بعدة تعريفات فعِندَ الحَنَفيَّةِ: الدَّعوى هيَ إضافةُ الشَّيءِ إلى نَفسِه حالةَ المُنازَعةِ، أي الدَّعوى أن يَدَّعيَ الشَّيءَ إلى نَفسِه في حالةِ الخُصومةِ، وعِندَ المالِكيَّةِ: الدَّعوى خَبَرٌ عَن حَقٍّ يَتَعَلَّقُ بالمُخبِرِ على غَيرِه، وعِندَ الشَّافِعيَّةِ: هيَ إخبارٌ عَن سابِقِ حَقٍّ أو باطِلٍ للمُخبِرِ على غَيرِه بمَجلِسِ الحُكمِ، وقيلَ: إخبارٌ عَن وُجوبِ حَقٍّ للمُخبِرِ على غَيرِه عِندَ حاكِمٍ ليُلزِمَه به، وهو الأشهَرُ، وعِندَ الحَنابِلةِ: الدَّعوى هيَ إضافةُ الإنسانِ إلى نَفسِه استِحقاقَ شَيءٍ في يَدِ غَيرِه أو في ذِمَّتِه([1]).

وهذه التعريفات متقاربة إلا أن الشافعية في المشهور جعلوا من مفردات التعريف أن تكون عند الحاكم وهو جيد لكونها لا تسمى دعوى اصطلاحاً إلا إذا كانت عند ذي ولاية قضائية من قاض أو ذي ولاية تحكيم.

ومن التعريفات المعاصِرة للدعوى ما ذكره الدكتور محمد نعيم ياسين في كتابه “نظرية الدعوى”؛ حيث عرف الدعوى بأنها: “قول مقبول، أو ما يقوم مقامه في مجلس القضاء، يقصد به إنسانٌ طلب حقٍّ له، أو لمن يمثله، أو حمايته”([2]).

وهو تعريف جامع مانع قيد فيه الدعوى بكلمة (مقبول) ليخرج به ما لا يصح الدعوى به شرعا أو نظاما وسيأتي، وجعلها للمدعي أو من يمثله فيدخل فيه الدعاوى المرفوعة من غير أصحابها؛ كالوكيل، والولي، والوصي، والناظر على الوقف ونحوهم.

والدعوى أخص من الخصومة فكل دعوى هي خصومة وليس كل خصومة دعوى، وفي القضاء تنشأ الخصومة قبل الدعوى وقد تنقضي قبلها صلحا أو بالتنازل أو بزوال الصفة عن أحد الطرفين قبل أن تقام الدعوى، لكن لا تقام الدعوى إلا في مواجهة من يصح اختصامه.

والدعوى أيضاً أعم من القضية، فالقضية هي الخصومة إذا رفعت أمام من له ولاية قضائية ومن ضمنها صحيفة الدعوى، وتطلق القضية على جميع ما يقدم للجهة القضائية وعلى الإجراءات التي تتخذها للوصول للحكم في الدعوى المرفقة في أوراق القضية فمجموع ذلك هو القضية.

وأركان الدعوى ثلاثة: مدعي، ومدعى عليه، ومدعى به، فلا تصح الدعوى إلا بتوفر هذه الأركان، وتكون الدعوى باطلة إذا فات أحد هذه الأركان الثلاثة.

وشروط الدعوى منها ما يعود إلى المدعي والمدعى عليه ومنها ما يعود إلى الحق المدعى به، وبيانها على النجو التالي:

أولا: الشروط العائدة إلى المدعي والمدعى عليه: يشترط في المدعي والمدعى عليه ما يلي:

  • الأهلية: والمراد بها أهلية المدعي والمدعى عليه؛ وذلك بأن تكون الدعوى من جائز التصرف، وهو البالغ الرشيد فلا تقبل من صغير ولا مجنون ولا سفيه في مال، ولا يقبل دفعهم للدعوى إذا أقيمت في مواجهتهم، لأن الدعوى في حقيقتها تصرف في الحق المدعى به، ومن لا ينفذ تصرفه في الحق المدعى به فلا تصح منه الدعوى به ولا الإقرار لغيره.

وإذا كان لفاقد الأهلية حق مدعى به فإن وليه يقوم مقامه، وكذلك إذا أقيمت الدعوى على فاقد الأهلية فإن وليه يقوم مقامه

  • الصفة: أي صفة المدعي والمدعى عليه في الدعوى: والمراد بالصفة: السلطة أو الولاية في مباشرة الدعوى، وتنشأ بسبب علاقة الشخص بالشيء المدعى به كالملك أو الإرث، فلا تقبل الدعوى من غير ذي صفة أو على غير ذي صفة، وبناءً على ذلك فإن معنى الصفة أن صاحب الحق المدعى به هو الذي يباشر الدعوى، وأن يكون المدعى عليه هو الذي بحوزته او سيطرته الحق المدعى به.

فالصفة في الخصومة القضائية تتولد عن مركز نظامي أو عقدي يجمع بين طرفين، من شأنه أن يرتب حقًا لأحدهما تجاه الآخر أو التزامًا عليه، ويشترط أن يَعتَرِفَ الشَّارِعُ بهذه الصفة ويَعتَبِرَه كافيًا لتَخويلِ المُدَّعي حَقَّ الِادِّعاءِ، ولِتَكليفِ المُدَّعى عليه بالجَوابِ والمُخاصَمةِ. ويَتَحَقَّقُ ذلك في المُدَّعي إذا كانَ يَطلُبُ الحَقَّ لنَفسِه، أو لمَن يُمَثِّلُه (مَن يَنوبُ عنه)، ويتحقق في المدعى عليه إذا كان يدفع الخصومة عن نفسه أو عمّن يمثله.

  • المصلحة : أي تحقق المصلحة للمدعي في دعواه وللمدعى عليه في دفعه: والمصلحة تعني المنفعة أو الفائدة العملية أو الواقعية التي تعود على المدعي من حكم القضاء له بطلباته المذكورة في الدعوى؛ أو التي يقدمها في أثناء الترافع، وأن يكون للمدعى عليه مصلحة في أي دفع أو طلب يورده في رده أو جوابه على الدعوى، ويجب أن تكون المصلحة إيجابية ومادية ومشروعة وتقبل المصلحة سواء كانت حالّة أو محتملة ، فالمصلحة مناط الدعوى ، فلا دعوى بدونها ، فالمدعي  والمدعى عليه سواءً أكان شخصاً طبيعياً أو اعتباريا يجب أن تكون له مصلحة في إثبات الدعوى أو ردها وفي كل طلب يقدمه أي منهما فيها.

ومن الأمثلة الموضحة للصفة والمصلحة دعوى الإرث، فلا تقبل من غير وارث لعدم الصفة، ولا تقبل من الوارث إذا لم توجد تركة لعدم المصلحة.

والصفة والمصلحة شرطان متميزان عن بعضهما، فالمصلحة هي الفائدة العملية التي يحصل عليها صاحب الحق في الدعوى، أما الصفة فهي سلطة مباشرة الدعوى، فقد تتوفر المصلحة الشخصية لأحد الطرفين في الدعوى لكن المشرع لا يعترف للشخص بالصفة في مباشرة الدعوى كدعوى الزوجة ديناً لزوجها فإن لها مصلحة في تحصيله لكن ليس لها صفة في إثباته ولا استيفائه، كذلك للوارث مصلحة في المطالبة بحقوق التركة لكن إذا كان للتركة مصف قضائي فليس للوارث صفة في المطالبة، وكذلك الحال في الدعاوى التي يجوز للشركة رفعها  بينما لا يجوز للشريك رفعها رغم وجود المصلحة لعدم الصفة،  وعلى عكس ذلك الدعوى الجزائية المرفوعة من النيابة العامة، فتكون للنيابة العامة الصفة في رفعها، بيد أنه لا يشترط أن تكون للنيابة مصلحة، ومثلها دعاوى الحسبة على القول بقبولها فتثبت الصفة ولو لم تثبت المصلحة، وكذلك دعوى ناظر الوقف بإثبات ملكية الوقف لعين بيد ناظر وقف آخر فتثبت الصفة فيها ولو لم تثبت المصلحة لكون المال في كلا الحالين مملوك لله تعالى([3]).

وقد قررت المحكمة العليا في السعودية أن الحكم بعدم الصفة حكم موضوعي، وجاء نص قرارها ( وهو ( أي الحكم بعدم صفة المدعي) حكم في موضوع الحق المدعى به؛ ينفي استحقاق المدعية للمطالبة بالحق المدعى به، فالمقصود بانعدام الصفة أنه لا حق لأحد الخصمين على الآخر بالصفة التي تقدم بها )، وأما الحكم بعدم قبول الدعوى لعدم المصلحة فهو حكم شكلي، ويترتب على ذلك أنه في حالة عدم الصفة لا يجوز إعادة القضية إلى المحكمة الابتدائية ويتعين على المحكمة الاستئناف الفصل في موضوعها، وأما في حالة عدم المصلحة فإذا رأت محكمة الاستئناف عدم صحة الحكم تلغيه وتعيده إلى المحكمة الابتدائية للفصل في موضوع الدعوى .

ثانياً: الشروط العائدة إلى الحق المدعى به: يشترط لصحة الدعوى شروط تعود على الحق المدعى به وهي كما يلي:

  • أن تكون محررة: تحرير الدعوى هو تخليصها من ما ليس منها، فإذا ادعى كان عليه بيان السبب وبيان المطالب به جنساً ونوعاً وقدراً، فإذا ادعى ملكية سيارة بيد المدعى عليه كان عليه بيان كل ذلك فيقول على سبيل المثال : ادعي على المدعى عليه أنني أعرته سيارتي من نوع كذا وموديل كذا المملوكة لي في يوم كذا وقد قبضها إلا أنه أمتنع من اعاداتها اطلب بالزامه باعادة العين المعاره إلي.
  • أن تتضمن طلبا: فالدعوى هي طلب: والطلب يكون إما بطلب الحكم بإلزام المدعى عليه بشيء أو بطلب الحكم بثبوت الحق في مواجهة المدعى عليه، وإذا خلت الدعوى من طلب لم تصح، وإذا تضمنت الطلب ولم تكن في مواجهة مدعى عليه فليست دعوى، وتسمى في النظام “إنهاء” كطلب إثبات الوراثة أو طلب إثبات الإعالة أو طلب إثبات الوقف، وكلها من حيث الأصل من أعمال القضاة، لكن في التنظيم الحديث صارت بعض هذه الوثائق مثل حصر الورثة تصدر من خدمات التوثيق وهو قسم مختص للتوثيق الإلكتروني في وزارة العدل.
  • أن لا تكون بطلب محرم أو بما يخالف النظام العام: ودليل هذا الشرط ما تقدم في وجوب الحكم بما أنزل الله جل وعلا؛ فالحكم للمدعي بطلبه المحرم حكم بغير ما أنزل الله، والحكم للمدعي بطلبه المخالف للنظام العام مخالف للشرع أيضاً الذي أمر بالسمع والطاعة بالمعروف، فمثال المحرم شرعاً طلب الفوائد الربوية ومثال ما يخالف النظام العام طلب إثبات تملك عقار بالشراء من المدعى عليه على خلاف النظام، وفي هذه الحالة يكون أمام القاضي إما الحكم برد الطلب ورفضه موضوعاً لكونه غير مشروع أو في أقل الأحوال الامتناع عن الإثبات لعدم استيفاء الإجراءات النظامية، ففي الحالة الأولى يكون الحكم موضوعياً فاصلًا في الاستحقاق، وفي الثانية يكون شكلياً لا يمنع من إعادة الدعوى بعد استكمال الإجراء النظامي.
  • أن تنفك الدعوى عما يكذبها: وهذا الشرط من وجهة نظر الباحث متفق عليه بالجملة؛ إلا أن الفقهاء يختلفون في بعض صوره، فمنهم من يضيقه فيجعل من امثلته : دعوى المدعي على من عمره عشرين سنه أنه قتل والده المتوفى قبل واحد وعشرين سنة، ودعوى الرجل الفقير أن أقرض السلطان دنانير ذهبية، وما جرى مجرى هذين، وبعضهم يوسع هذا الأمر فيجعل منها دعوى الرجل ملكية العقار على آخر وهو يشاهده بيد المدعى عليه منذ سنيين طويله ولا يطالب بحقه ونحوها، وهذا الشرط هو الأساس الشرعي في تقدير مدد التقادم.

والذي يظهر لمقيده -عفا الله عنه-: أن هذا الشرط إن كان بيِّنًا ظاهراً كما في المثال الأول والثاني فهو شرط يمنع قبول الدعوى شكلا، ويتأكد ذلك إذا احتفت به قرينه أن ولي الأمر نشر تنظيمًا يؤكد فيه على سقوط الحق بالتقادم فإن وجود هذا الشرط وعلم الناس وأهل الاختصاص به وسكوت المدعي يجعل ظاهر الحال إما عدم ثبوت الحق أو تنازل المدعي عنها وهو أمر يكذب الدعوى ويوجب عدم سماعها، وأما إذا كان ليس ظاهراً كما في المثال الثالث فيما لو كان المدعي صغيراً أو بعيداً أو كان المدعى عليه ذو سلطه تمنع مطالبته، وفي هذه الحالة فما يذكره المدعى عليه هو بينة من البينات ينظر القاضي فيها وفق القواعد الشرعية ويوازنه مع بينات المدعي على دعواه. والله تعالى أعلم.

([1]) يُنظَر: تبيين الحقائق للزيلعيِ (4/290) ، الفروق للقرافي (1/ 17) ، تحفة المحتاج لابن حجر الهيتمي (10/286) ، الإقناع للحجاوي (4/ 419)…

([2]) ينظر: نظرية الدعوى ص 83-84.

([3]) يُنظر: الموسوعة الفقهية الكويتية20/294،. مبادئ الخصومة المدنية، د. وجدي راغب، دار الفكر العربي القاهرة 1978، صـ146