الولاية القضائية ومنزلتها في الولايات الشرعية
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد:
فإن القضاء من أهم الواجبات الشرعية، وهو وظيفة الأنبياء والمرسلين كما قال تعالى: ( إنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ۚ)، وكما قال تعالى: ( وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ)، ولا بقاء لدولة مسلمة كانت أو كافرة متى ما اختل فيها ركن القضاء، فإنه إذا اختل القضاء صار الضعيف نهبا للقوي، وتحقق الهلاك الذي أخبر عنه رسول الله ﷺ بقوله: ( إنما هلك الذين قبلَكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهمُ الشريفُ تركوه، وإذا سرق فيهمُ الضعيفُ أقاموا عليه الحدَّ) ([1]) .
ومن نظر في تعريف القضاء عند الفقهاء ومهام القاضي التي ذكروها في كتبهم عرف منزلته؛ فقد عرف الحنفية والمالكية بأنه: الإخبار عن حُكْم شرعي على سبيل الإلزام، وعند الشافعية هو بنحو ذلك حيث عرفوه بقولهم: إلزام من له الإلزام بحُكْم الشَّرْع، وعند الحنابلة لا يختلف كثير حيث قالوا القضاء هو: الإلزام بالحُكم الشرعي وفصْل الخصومات.
وهذه التعريفات تتفق في إسباغ صفة الإلزام على القضاء، وتجعل الإلزام بمقتضى الحكم القضائي منسوب للشرع، وبهذا فإن القضاء يكتسب صفة الولاية من سلطة الإلزام ويكتسب سلطة المشروعية من كون الملزم به هو حكم الشرع من وجهة نظر مصدره على الأقل، وهذان الركنان في التعريف يكشفان عن أهمية القضاء ووجوب العناية به، للتحقق من استعمال الولاية والسلطة في محلها الصحيح وعدم خروجها عنه إلى التعسف والظلم، وللتحقق من أن يمتثل الحكم الصادر صفة الحكم الشرعي الذي يتفق مع قوله تعالى ( وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ) .
ولقد تطورت الدولة الحديثة في هذا القرن تطورا كبيرا ترتب عليه تطور التعاملات بين الناس وتغير كثيرا من آليات اثبات الحق والتوصل إليه، وشمل التغير أيضا ما يتعلق بحقوق الإنسان في التقاضي، ورافق ذلك خضوع كثير من بلدان المسلمين لآليات التقاضي ولإثبات المستوردة من الغرب، ووقوف التقاضي الشرعي في موضوعه من غير تطوير يتناسب مع حجم المتغيرات، وهذا وغيره جعل المجال مفتوحا أمام أهل الاختصاص بأن يشاركوا في بيان أحكام الشريعة في هذه المتغيرات، ونحن هنا نقول بيان ولا نقول اختراع وذلك لقناعتنا أن حكم الله موجود لكن أكثر الناس يجهلونه فيظنوا الشريعة قاصرة، ولو صدقت النوايا وبذل الوسع لظهر هذا الحكم واستبان للناس بل وانشرحت صدورهم له تطبيقا وإنفاذا، أما مع فساد القلب وسوء النية فإن قلوب الناس تضيق بالشريعة وأهلها وقد قال الله تعالى ( ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ)
ولما كان هذا الموضوع من الخطورة بمكان فقد أحببت أن أشارك فيه بهذا المقال الذي عنونته ب الولاية القضائية ومنزلتها في الولايات الشرعية فأقول:
القضاء ولاية من الولايات في الدولة، والولاية في اللغة هي السلطان والخِطة والإمارة والملك، وتطلق على البلاد التي يتسلط عليها الوالي فيقال ولاية مصر ونحو ذلك، قال ابن الأثير رحمه الله: “وكأن الولاية تشعر بالتدبير والقدرة والفعل”([2]).
وفي الاصطلاح عرفها الجرجاني فقال: الولاية تنفيذ القول على الغير شاء أو أبى([3])، وهذا التعريف هو تعريف للولاية بأثرها وحكمها وهو ظاهر في الولاية التي يأخذها السلطان بالغلبة، ولا تشمل الولاية على القاصر ونحوه، كما أنها أخرجت الولاية عن مفهوم التعاقد إلى مفهوم الغلبة، ومعلوم أن أكثر الولايات إنما تثبت بالتعاقد العام، وهو ما يسمى بالعقد الاجتماعي وتعريفه عند الفلاسفة المعاصرين: هو اتفاق افتراضي أو ضمني بين أفراد المجتمع الواحد يُحدد شكل العلاقة بينهم، وبينهم وبين “السلطة الحاكمة” (الدولة). وبموجب هذا العقد، يتنازل الأفراد طواعية عن بعض حرياتهم أو حقوقهم الطبيعية المطلقة لصالح الدولة، في مقابل أن تلتزم السلطة بحمايتهم، وتحقيق العدالة، وحفظ النظام والأمن العام.
والذي يظهر من أحكام الشريعة أن الولاية هي: عقد تترتب عليه الحقوق والواجبات بين الراعي والرعية.
فالولاية عقد بين طرفين أحدهما الراعي وهو يشمل الإمام والملك والسلطان ونحوهم، والآخر الرعية، وهذا العقد يتم بالاختيار أو الاستخلاف أو الغلبة ويمثل الرعية فيه أهل الحل والعقد، ويسمى هذا العقد شرعاً: البيعة الشرعية، وقد يكون العقد فرعياً بين السلطان الشرعي الذي ثبتت له البيعة وبين أفراد من الأمة لتوليتهم الولاية على بعض ما ثبتت للسلطان ولايته، كتولية أحدهم على مصر من الأمصار، أو تولية آخر على القضاء ونحو ذلك، فجوهر الولاية على هذا هو العقد .
والولاية العظمى هي الإمامة، وتكون عند المسلمين خلافة إذا كانت عامة للمسلمين، لأنها في هذه الحالة: خلافة رسول الله ﷺ في أمته، ويسمى القائم بها في العرف أمير المؤمنين، وقد تكون خاصة في مصر من الأمصار أو إقليم من الأقاليم فيسمى القائم بها الأمام أو الملك أو السلطان أو الأمير أو الشيخ أو الرئيس ونحو ذلك .
والولاية العظمى سواء كانت الخلافة أو ما دون ذلك من الإمامة أو الملك أو السلطان أو الإمارة .. وكلها تحصل بأحد طرق ثلاث بيانها على النحو التالي:
- الاختيار: والمراد به اختيار أهل الحل والعقد من المسلمين – ولو في إقليم مستقل- لمن فيه شروط الولاية ليكون إماما لهم سواء أسموه ملكا أو أميرا أو غير ذلك، وتثبت الولاية الشرعية له بهذا الاختيار كم ثبتت لأبي بكر الصديق حيث اختاره أصحاب رسول الله ﷺ ليكون الخليفة وبايعوه على ذلك، وخلافة أبي بكر رضي الله عنه كما ثبتت بالاختيار فقد ثبتت بالنص الظاهر، ومنه جعله إماما للمسلمين في الصلاة في مرض رسول الله ﷺ الذي مات فيه، وقوله ﷺ في حديث عائشة: ( ادْعِي أبا بكْرٍ أباكِ ، وأخاكِ ، حتى أكْتُبَ كِتابًا ، فإنِّي أخافُ أنْ يتَمَنَّى مُتَمَنٍّ ، ويقولُ قائِلٌ : أنا أوْلَى ، ويأبَى اللهُ و المؤمِنونَ إلَّا أبا بكْرٍ)([4]) وغير ذلك من الأدلة التي وردت في ثبوت ولاية أبي بكر رضي الله عنه نصا.
- الاستخلاف: والمراد به استخلاف الوالي من يحل محله بعد موته، ويسمى العهد والإيصاء، قال الماوردي([5]): وأما انعقاد الإمامة بعهد من قبله، فهو مما انعقد الإجماع على جوازه، ووقع الاتفاق على صحته لأمرين عمل المسلمون بهما ولم يتناكروهما:
أحدهما – أن أبا بكر عهد بها إلى عمر، فأثبت المسلمون إمامته بعهده.
والثاني – أن عمر عهد بها إلى أهل الشورى فقبلت الجماعة دخولهم فيها، وهم أعيان العصر، اعتقاداً لصحة العهد بها.
- الغلبة : فتثبت الولاية للحاكم المتغلب وإن لم يكن خليفة بالاختيار أو بالعهد؛ إذا كان يقود الناس بكتاب الله -تعالى-؛ فعن أم حصين قالت سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول في حجة الوداع: (وَلَوِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا) ([6]) ، فإن مقصود الإمامة في الإسلام إقامة الدين وسياسة الدنيا بالدين، والحرص على الجماعة ونبذ التفرق وحقن الدماء، ويدخل فيه من تولى رئاسة الدولة بالسلطة المدنية إذا كان مرجع حكمه كتاب الله؛ فإن هذا نوع من الغلبة التي توجب السمع والطاعة بالمعروف، وفي جميع الأحوال فإن لزوم السمع والطاعة لا يعني إقرار المتغلب على حبس حق المسلمين في ولاية من اختاروه أو بايعوه قبله، وإنما هو مراعاة لما ثبت واقعا ودرأً لمفاسد الفرقة والنزاع، والخلط بين الأمر الكوني الواقع وبين الأمر الشرعي الديني خلط مذموم سببه إما جهل بقواعد الشريعة أو سوء نية بالطعن بالتشريع .
وأما السلطة المدنية التي تعلن أن أصل حكمها على غير الكتاب والسنة؛ كما لو أعلنت المنهج العلماني ونحوه فإن غلبة هذه السلطة على بلد من بلدان المسلمين هو أمر واقع فينظر إلى ما يصدر من هذه السلطة مما يوافق الشرع فتقر عليه وتعان عليه، وما يخالفه فلا تقر ولا تعان عليه، ولا تنازع الأمر إلا بما يتيحه النظام العام؛ وذلك مراعاة لقواعد المصلحة والمفسدة، والقدرة والعجز في تغيير هذا الواقع إلى واقع شرعي صحيح .
ويثبت لهذه السلطة التي تعلن المنهج العلماني من الطاعة بالقدر الذي ذكرناه أعلاه لكنها لا توصف بوصف الولاية الشرعية لخروجها عنه بتأصيلها منهجا علمانياً، خاصة وأن أغلبهم لا يدعي ذلك لنفسه بل لا يعترف به أصلا وربما لم يرض به ويعتبره منقصة في حقه والله المستعان.
وأما ما يتعلق بالقضاء فهو فرع من الولاية العامة، لا تصلح الدولة إلا به، ذلك أن من أهم وأعظم واجبات الدولة الفصل بين الناس في خصوماتهم، ولذلك كانت هذه المهمة أي القضاء من غايات تنزيل الكتب قال تعالى ( إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) ( وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ ) ، وهي مهمة الرسل والأنبياء ( يا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) ، ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ )، وإن مصالح القضاء العادل لا تحصى على الفرد والمجتمع ومن أبرزها:
- أمن الناس على أنفسهم وأعراضهم وأموالهم، فإن ضعف القضاء وانتشار الظلم يجعل القوي يطمع بالضعيف، ومتى علم الظالم أنه سيكون وغيره أمام القضاء سواسية ارتدع عن ظلمه.
- محاربة الفساد؛ فإن الناس إذا وثقوا بعدل القضاء لم يسعوا إلى الطرق غير المشروعة لتحصيل ما يظنوه حقاً لهم، أما إذا كان القضاء ضعيفا أو ظالما فإن الناس لن يتركوا حقوقهم تضيع وسيسعون إلى طرق غير مشروعة لتحصيلها، وهذا من أعظم أسباب الفساد وضياع النزاهة.
- حصول البركة في البلاد عموما قال تعالى : ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) وقال سبحانه : (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ۚ مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ) ومن الإيمان والتقوى وإقامة ما أنزل الله إقامة العدل بتحكيم شرع الله في خلقه، قال ابن القيم([7]) : وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ: أَنَّهُ وَجَدَ فِي خَزَائِنِ بَعْضِ بَنِي أُمَيَّةَ صُرَّةً فِيهَا حِنْطَةٌ أَمْثَالُ نَوَى التَّمْرِ مَكْتُوبٌ عَلَيْهَا: هَذَا كَانَ يَنْبُتُ أَيَّامَ الْعَدْلِ . وَهَذِهِ الْقِصَّةُ، ذَكَرَهَا فِي ” مُسْنَدِهِ ” عَلَى أَثَرِ حَدِيثٍ رَوَاهُ.
- السلامة من الهلاك المحقق ففي حديثِ أسامةَ بنِ زيدٍ حينما أراد أن يشفع في المرأة المخزومية التي سرقت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أتَشفَعُ في حَدٍّ مِن حُدودِ اللهِ، ثُمَّ قامَ فاختَطَبَ، ثُمَّ قال: إنَّما أهلَكَ الذينَ قَبلَكُم أنَّهم كانوا إذا سَرَقَ فيهمُ الشَّريفُ تَرَكوه، وإذا سَرَقَ فيهمُ الضَّعيفُ أقاموا عليه الحَدَّ، وايمُ اللهِ لو أنَّ فاطِمةَ بنتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَت لَقَطَعتُ يَدَها)) ([8])، وجعل ابن خلدون في مقدمته فصلًا بعنوان ”الظلم مؤذن بخراب العمران”، بيَّن فيه أن الظلمَ إذا انتشر، خربت البلادُ، واختلَّ حالُ العباد.
- غياب العدل يشعر الفرد بالإحباط وفقدان الثقة في المؤسسات، ويدفعهم إلى البحث عن حلول فردية قد تكون مضرة بالمجتمع ككل، بل ربما تولدت في قلوب المظلومين كراهية لمجتمعهم، خاصة من انتشار التمييز الطبقي أو العنصري، وتوسع الفجوة بين الفئات المختلفة، مما يهدد السلام الاجتماعي.
وختاما فإن القضاء شرعاً هو سلطة متفرعة من السلطة العامة، وليس مرفقا من المرافق، واجب هذه السلطة يتمثل في ثلاثة أمور:
الأول: حفظ الملة بتحكيم شرع الله في خلقه كما قال تعالى ( وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ) ( أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ).
الثاني: حفظ الدولة؛ فهي سور التوحيد وهي الجماعة، وبضياعها تضيع أمور الملة، ولا يبقى للناس دين إذا لم تبق لهم دولة.
الثالث: حفظ الأمة بتطبيق قواعد العدل بين الناس؛ لتحصيل ثمراته في الدنيا والآخرة .
وإذا كان القضاء بهذه المنزلة فإن الشريعة خصته بأحكام وقواعد ، ومن أهمها ما يتعلق بشروط القاضي، فقد انبى على كون القضاء ولاية فرعية عن الولاية العظمى أكثر الشروط المعتبرة بالقاضي، وهي :
- الإسلام: فغير المسلم لا يلي القضاء؛ لأنه ليس أهلا للولاية على المسلمين، قال الله تعالى: ( وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) .
- البلوغ: فالصغير ليس محلا للولاية ولو كان عالما ذكيا فطنا لأنه تحت ولاية غيره، ولو قلنا بصحة إمامة الصغير فلا تصح ولايته للقضاء .
- العقل: فالمجنون ليس أهلا للولاية لكونه في ولاية غيره فلا يصح توليه القضاء.
- الحرية: فالمملوك ليس أهلا للولاية لكونه في ولاية غيره فلا يصح توليته القضاء .
- الذكورة: فالأنثى لا تصح ولايتها ولو كانت أذكى وأزكى، فلا يصح توليها القضاء لما ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال ( لا يفلح قوم ولو أمرهم امرأة )([9])، وهذه هي العلة لعدم صحة تولي المرأة للقضاء وأن ذلك بسبب عدم أهليتها للولاية العظمى هو التعليل الصحيح، الذي يدور مع الحكم طردا وعكسا، فالقضاء ولاية والولاية يشترط فيها الذكورة، فالمرأة لا تتولى القضاءـ، وأما الحكم التشريعة في هذا الأمر فهي في كل ولاية سواء كان القضاء أو غيره ومنها: أن تولية المرأة للولايات يترتب عليه اختلاط جنس النساء بالرجال على وجه محظور، وهدم النسيج الاجتماعي بإدخال الخلل على وضع الأسرة عموما، كما أن طبيعة المرأة لا تتناسب مع توليتها الولايات العامة في غالب جنس النساء فإن الله خلقهن وجبلهن على ما تصلح به شؤونهن من زيادة العاطفة وسرعة التأثر ورقة القلب، ورغبتهن الفطرية بأن يتوى شؤونهن من يحببن من الرجال، وهذا من كمال المرأة كامرأة؛ لكنه مانع من موانع الولاية.
- وأما باقي شروط القضاء وهي: العدالة والسمع والبصر والكلام والاجتهاد فهي وإن كانت ذات علاقة بالولاية إلا أن تعلقها بالقوة والأمانة أكثر فعدمها أو عدم بعضها قد يؤدي إلى نقص الأمانة كما في شرط العدالة، وقد يؤدي إلى نقص القوة كما في الاجتهاد وبقية الشروط.
([1]) أخرجه البخاري (6788)، ومسلم (1688) من حديث عائشة في قصة المرأة المخزومية.
([2]) النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، مادة “ولي” (5/227)
([3]) التعريفات لعلي بن محمد بن علي الجرجاني ص (310)
([4]) أخرجه البخاري (5666)، ومسلم (2387) واللفظ له
([5]) الأحكام السلطانية ص 8
([6]) أخرجه الترمذي (1706)، والنسائي (4192) واللفظ له، وابن ماجه (2861)، وأحمد (16649) وصححه الألباني.
([7]) زاد المعاد 4/333 .
([8]) أخرجه البخاري (3475)، ومسلم (1688) .
([9]) أخرجه البخاري (4425) من حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث رضي الله عنه.