Skip to main content

الحجية النظامية لرسائل الواتساب في الإثبات

الدكتور / سليمان الخميس

أصبحت المراسلات الإلكترونية، وفي مقدمتها رسائل واتساب والبريد الإلكتروني، وسيلة رئيسية للتفاوض وإبرام الاتفاقات وتنفيذ الالتزامات بين الأفراد وبعضهم البعض وبين الأفراد والشركات، بل ربما بين الشركات أحياناً. وقد تنشأ علاقة تعاقدية كاملة من خلال تبادل الرسائل، دون أن يوقع الطرفان عقدًا ورقيًا مستقلًا.

ربما يدعي أحد الأطراف نشوء التزامات إضافية أو تفسير بعض التزامات التعاقد بموجب رسائل الواتس آب، ويكثر السؤال عن حجية هذه المراسلات في الإثبات أمام القضاء …

ولتوضيح هذه المسألة لا بد من التمييز بين مسألتين في هذا الموضوع:

المسألة الأولى: ثبوت صدور المراسلات من أحد أطراف التعاقد .

المسألة الثانية : حجية هذه المراسلة في الإثبات، ومدى دلالتها على نشوء الالتزام أو ثبوت الحق المطالب به.

أما في المسألة الأولى فإن ثبوت نسبة رسائل الواتس يتم بأحد الطرق التالية:

الأولى: الإقرار الصريح أو الضمني، فالصريح بأن يقر بصدور المراسلة منه، والضمني بأن لا ينكرها لكن يناقش موضوعها ويفسر ألفاظ الرسالة مجيبا عن مضمونها، وفي هذه الحالة فالقضاء ينظر في مضمون الرسالة وفقاً لأحكام التعاملات الإلكترونية، حيث قررت المادة (55) من نظام الإثبات أن الإثبات بالدليل الرقمي له حكم الإثبات بالكتابة، وبيّنت المادة (54) أن الأدلة الرقمية تشمل المراسلات الرقمية ووسائل الاتصال وغيرها.

ويجب أن نفرق بين الإقرار بصدور الرسالة وبين الإقرار بالحق، فالإقرار بصدور الرسالة لا يمنع مناقشة موضوعها والدفع بأي دفع يمنع ثبوت الحق المدعى به، أو يلغي استحقاقه، والعبرة بما يثبت قضاءً بخلاف الإقرار بالحق فهو ينهي النزاع بين الطرفين.

الثانية: أن ينكر المدعى عليه صدور الرسالة منه إلا أن الرسالة موجودة في جهاز المدعي فهل يكفي اعتبار هذا بينة لإثبات صدور الرسالة من المدعى عليه؟

بالرجوع لنظام التعاملات الإلكترونية ( م 8، 9) نجد أنه اشترط في الدليل الرقمي ليكون حجة عدة شروط في حفظه وتخزينه والرجوع إليه لا يمكن أن يقال بتوافرها في رسائل الواتس آب، ونظرا لأن المدعى عليه ينكر صدور الرسالة منه فإن وجودها في جهاز المدعي لا يكفي في إثبات صدورها من المدعى عليه لعدة اعتبارات من أهمها وجود احتمال تعدًّ على جهازه لذا فإن إثبات نسبة الرسالة إليه مع إنكاره متعذر .

إلا أنه في حال كان هناك تعاقد صريح على اعتماد رسائل الواتس آب في المراسلات بين الطرفين، أو كان هناك إقرار ضمني باعتماد المراسلات بالواتس بينهما فقد تتجه المحكمة إلى الاعتداد بتلك المراسلات في الاثبات  بناء على المادة (57) أن الدليل الرقمي غير الرسمي يكون حجة على أطراف التعامل، ما لم يثبت خلاف ذلك، وذلك لكون الدليل مستفادًا من وسيلة رقمية منصوص عليها في العقد، أو من وسيلة رقمية موثقة أو مشاعة للعموم، وفي هذه الحالة فإن إثبات عدم صحة الدليل المنصوص عليه يقع على الخصم الذي يدعي عدم صحته وفقاً للمادة (58) من نظام الإثبات .

فالخلاصة : هناك ثلاث حالات يثبت فيها صدور الرسالة من المدعى عليه ، ويمكن اعتبارها دليلاً على من صدرت منه وهي كما يلي:

  • أن يقر المدعى عليه بصدور الرسالة منه.
  • أن ينص في تعاقد سابق على اعتبار الرسائل بالواتس آب وسيلة صحيحة في التعامل.
  • أن يقر الطرفان ضمنياً بالاعتداد بمراسلات الواتس في إبرام أو تنفيذ الالتزام بينهما.

وأما في حال إنكار صدور الرسالة من المدعي ولم تكن هناك حالة من الحالات الثلاث السابقة فلا يظهر صحة الاحتجاج بالرسالة لمخالفتها قواعد الدليل الرقمي .

المسألة الثانية : الحجية النظامية لمضمون المراسلات في برنامج الواتس آب:

في حال ثبت صدور الرسالة من أحد الأطراف وفقا لما ذكرنا أعلاه فإن موضوع الحجية يعود إلى ما نص عليه في المادة (55) من نظام الإثبات أن الإثبات بالدليل الرقمي له حكم الإثبات بالكتابة، وبيّنت المادة (54) أن الأدلة الرقمية تشمل المراسلات الرقمية ووسائل الاتصال وغيرها، وبذلك، فإن الرسائل الإلكترونية ليست أدلة ثانوية لمجرد أنها غير ورقية، وإنما يمكن أن تتمتع بحجية نظامية معتبرة.

إلا أنه وفقاً للأحوال فإن درجة الحجية تختلف بحسب طبيعة الدليل، ومدى ثبوت نسبته إلى صاحبه، وسلامة محتواه، ومدى انطباق الأحكام النظامية عليه، مما يجعل المحكمة تنتقل إلى البحث في مضمون الرسائل وما إذا كانت صالحة لإثبات الالتزام المدعى به عرفاً وعادة.

فعلى سبيل المثال لا يمكن إثبات عقود بمبالغ كبيرة وذات التزامات متعددة مثل المقاولات برسائل الواتس آب.

كذلك لا يمكن تعديل عقد ورقي أو إلكتروني ثابت وفق أنظمة متكاملة برسالة واتس آب .

ولا إثبات مديونية كبيرة برسالة تشبه أن تكون من رسائل إطفاء الحريق وتخفيف الحماس مثل تعليق الأمر بالمشيئة الإلهية أو التأكيد على إرضاء الطرف الآخر.

كل ذلك يجب على المحكمة مراعاته والنظر فيه حتى لو أقر المدعى عليه بالرسالة متى ما كان منكراً للحق .

ومأخذنا في ذلك أننا أمام قرينة لا ترقى لأن تخالف العرف العام من أن مثل هذه الالتزامات الكبرى لا تثبت إلا ببينة صحيحة، وإذا كان الإثبات بشهادة الشهود لا يصح فيما هو أكثر من مائة ألف ريال لمخالفته العرف والعادة فكيف بمثل هذه الرسائل التي قد ترسل مجاملة وتطمينا وغالباً قبل إجراء مراجعة كاملة للحالة التعاقدية بين الطرفين، وقد قررت المادة (94) من نظام المعاملات المدنية أنه إذا تم العقد صحيحًا فلا يجوز نقضه أو تعديله إلا بالاتفاق أو بمقتضى نص نظامي، وأن الحقوق التي ينشئها تثبت فور انعقاده، ما لم يقض نص بخلاف ذلك..

وهذا بلا شك لا يعد رداً كاملا للرسالة وإنما وضعاً لها في موضعها الصحيح وتطبيقاً للمادة (104/2، 3) من نظام المعاملات المدنية، التي تنظم تفسير العقد والبحث عن الإرادة المشتركة للمتعاقدين عند وجود محل للتفسير، والتي نصت أيضاً على تفسير الشك لمصلحة من عليه الالتزام.

إن من الأخطاء الشائعة قضاءً التعامل مع جميع الاعتراضات على الرسائل الإلكترونية باعتبارها إنكارًا واحدًا، وهي في الحقيقة تتخذ صورًا مختلفة كما يلي:

  • إنكار النسبة: كأن يقول الشخص إن الرقم لا يعود إليه، أو إن الرسائل لم تصدر عنه.
  • إنكار السلامة: كأن يدعي أن المحادثة معدلة، أو أن بعض الرسائل حذفت، أو أن الصور المقدمة لا تطابق المحادثة الأصلية.
  • إنكار الدلالة: كأن يعترف بإرسال الرسائل لكنه يدعي أنها لا تتضمن موافقة نهائية أو اعترافًا بالالتزام.
  • إنكار تنفيذ الالتزام المقابل: كأن يقر المتعاقد بالاتفاق وبالمراسلات، ولكنه يدفع بأنها معلقة على التزام من الطرف الآخر لم ينفذ ، ولا شك أن رسائل الواتس ليس محلا لتوضيح التفاصيل والشروط والأحكام.

وبناء عليه فلا يمكن اعتبار رسائل الواتس إقراراً ملزماً بكل حال حيث إن لكل صورة من هذه الصور مناقشة مختلفة للإثبات، وعلى المحكمة النظر فيها تفصيلاً في كل حالة من هذه الحالات.

ومما ينبغي التنبيه عليه أنه لا تكفي صورة الشاشة لإثبات المراسلات، ذلك لأن تبديل الأرقام في برنامج الواتس سهل جدا مما يعني أنه مع عدم الإقرار بالرسالة وللاعتماد عليها في تسبيب الحكم فيتعين الاستعانة بالخبرة الفنية لفحص الجهاز الصادر والمتلقي والنظر في مواضع الحذف وغير ذلك وإصدار تقرير فني تقني مفصل فيه تطمئن المحكمة في إسناد حكمها إليه.